دروس الحرب في القوقاز
05.09.2008 آخر تحديث [20:43]
كتب ايليا كرامنيك المعلق العسكري لوكالة "نوفوستي":
تكللت حرب الايام الاربعة التي ادت الى استقلال ابخازيا واوسيتيا الجنوبية من الناحية الشكلية بتحقيق روسيا وقواتها المسلحة الانتصار التام. وتمت هزيمة جيش المعتدي ودمرت او جرى الاستيلاء على معداته القتالية واسلحته وأحرق اسطوله ، اما قواعده العسكرية ومستودعاته الرئيسية فقد دمرت بضربات من الجو.
لكن كشف اثناء العملية العسكرية العديد من النواقص في تنظيم وتموين القوات المسلحة الروسية التي كان يمكن في حالة الاشتباك مع عدو أقوى ان تخلق مصاعب كثيرة لدى خوض العمليات القتالية. وقد بدأت الاحاديث حول اصلاح هذه النواقص قبل ايقاف عملية ارغام جورجيا على الجنوح الى السلم. فكيف يجب ان يتغير الجيش الروسي بنتيجة الحملة الجديدة ؟
ينبغي قبل كل شئ التحدث عن التغييرات التنظيمية – فبدونها لا يمكن لأي اسلحة ومعدات جديدة ان تضمن النجاح لدى خوض المعركة. والمقصود من هذه الناحية اتقان القوات للأساليب التكتيكية والطرائق الجديدة في خوض العمليات التقالية. وهذا يمس بصورة خاصة القوات الجوية الروسية. لقد اظهرت القوات البرية الروسية في جورجيا مستوى رفيعا من التعاون داخل مجموعات قوات المناورة المؤلفة من وحدات تنتمي الى مختلف اصناف القوات ، بينما تحتاج القوات الجوية الى اعداد اضافي حيث تكبدت خسائر قليلة نسبيا ( 4 طائرات منها القاذفة البعيدة المدى تو – 22م3) ولكنها لم تستطع اخماد وسائل الدفاع الجوي الجورجية في الوقت المطلوب.
ويدور الكلام بصورة رئيسية عن رفع قدرات القوات الجوية اثناء التعامل مع العدو الذي يوجد لديه طيران ومنظومات دفاع جوي أكثر خطورة من المدفعية المضادة للطائرات وذات العيار القليل والصواريخ المحمولة المضادة للطائرات. وقد واجهت القوات المسلحة الروسية مثل هذا العدو لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن مع ذلك فان هذا لا يشكل مبررا لتكبد الخسائر - اذ تستطيع القوات الجوية الروسية مكافحة المنظومات الموجودة لدى جورجيا بما لديها من اسلحة الآن .
ومع ذلك ينبغي ان نلفت الانتباه الى وجوب تجهيز القوات الجوية بمعدات جديدة. وتمس برامج تحديث معدات الطيران الموجودة في الوقت الحاضر بصورة أساسية وحدات الطيران التابعة للقوات الخاصة والجيشين 11 و37 للقوات الجوية والدفاع الجوي(وسط روسيا والشرق الاقصى والطيران الاستراتيجي على التوالي)، لكن الجيش الرابع للقوات الجوية والدفاع الجوي الذي شارك في القتال ما زال حتى الآن يضطر لأستخدام الطائرات من انتاج اعوام الثمانينيات التي لم يتم تحديثها.
ولا تعرف بعد ماهي الخطوات الملموسة التي ستتخذ من اجل تغيير الوضع ، لكن بات معروفا ان من المقرر زيادة كمية المشتريات من المعدات التي تم تحديثها من اجل القوات الجوية في اطار برنامج GPV-2011-20 المقرر المصادقة عليه في عام 2010(في الوقت الحاضر يجري تنفيذ البرنامجGPV 2006-15).
كما تحتاج القوات البرية الى الدعم بالرغم من النتائج الممتازة للعملية. وكما هي الحال في القوات الجوية فأن التشكيلات الرئيسية للقوات البرية المجهزة بالمعدات الجديدة توجد لأسباب غير مفهومة بعيدا عن الدائرة العسكرية لشمال القوقاز التي شاركت في الحرب. وفي النتيجة استخدمت 6ي العمليات من بين معدات القوات البرية الأقل حداثة منظومات المدفعية ذاتية الحركة"مستا" والمنظومة الصاروخية التكتيكية - العملياتية" توتشكا" و(حسب بعض المعطيات) المنظومة الصاروخية التكتيكية "اسكندر" وراجمات النيران الكثيفة " سميرتش" والدبابات ت – 62 وت- 72 وعربات المشاة القتالية ب م ب – 1 وب م ب – 2 والمصفحات ب ت ر – 70 و ب ت ر – 80 والمدافع ذاتية الحركة " غفوزديكا" و" اكاتسيا" وراجمة النيران الكثيفة" غراد" من انتاج اعوام السبعينيات والثمانينيات وفي افضل الاحوال اجري لها تحديث جزئي.
ويتولد انطباع بأن قيادة القوات المسلحة تبقي المعدات الحديثة – الدبابات والمدرعات والمصفحات وغيرها من اصناف المعدات المحدثة او الجديدة – بعيدا عن العمليات القتالية بغية عدم تشويه صورة السلاح الروسي في حالة الاخفاق في المعارك. لكن نتيجة مثل هذا السلوك قد تكون معاكسة – اذ ستساور الناس الشبهات بان الجيش نفسه لا يثق بمنظومات الاسلحة الجديدة مفضلا التوجه الى المعركة بأستخدام اصناف السلاح السابقة المجربة التي لا تتخلف عنها من حيث المواصفات التقنية والفنية.
وبالاضافة الى المعدات يجب ان تمس اعادة تجهيز القوات وسائل الاستطلاع والاتصال والملاحة – ان النواقص في هذه المجالات كانت السبب في وقوع الخسائر لكن الوضع قد تغير كثيرا قياسا الى ما كان عليه في اعوام التسعينيات.
وثمة حاجة ايضا الى معدات الاسناد من مختلف الاغراض – من سيارات الاجلاء والاصلاح الحديثة الى محطات الرادار من اجل الاستطلاع المدفعي- فقد اظهرت الايام الثلاثة من المعارك مع رجال المدفعية الجورجيين بمنطقة تسخينفال ان المدفعية الروسية لم تكن قادرة دائما على اصابة مدافع العدو ذاتية الحركة بسبب غياب التوجيه الدقيق والنقص في الذخائر الموجهة.
ووجهت اقل اعتراضات الى الاسطول الذي نفذ بنجاح مهمة تطويق الساحل في منطقة النزاع لكن يجب عدم الخلود الى الرضى بهذا الشأن. فأن غالبية سفن اسطول البحر الاسود قد تجاوزت اعمارها العشرين عاما ويجب سحبها من الخدمة في غضون 10 - 20 عاما القادمة. كما يحتاج الاسطول الى التقوية نظرا لأحتدام العلاقات التي لاحت بوادرها بجلاء بين روسيا والناتو – على أقل تقدير من اجل ضمان حماية سواحلنا في حالة وقوع نزاع خطير ، وكحد اقصى من اجل ارغام العدو المحتمل على التخلي عن الحل العسكري للنزاع اذا ما دار ذلك في خلده.
لكن التغييرات ستمس ليس الجيش الروسي فقط. اذ تقوم جورجيا في الوقت الحاضر بعمل مكثف من اجل استعادة جيشها ويجب ان تساعدها في ذلك الاموال الواردة من الولايات المتحدة وحليفاتها. واذا ما اقدم نظام ساكاشفيلي مجددا على القيام بعملية عسكرية فستكون لدى جيشه منظومات اسلحة ومعدات عسكرية غربية أكثر بكثير من السابق والتي ستقدم اليه بدلا من المعدات السوفيتية الصنع التي تم تدميرها. كما ستشمل التغييرات التدريب العسكري للأفراد – بأستثناء بعض الوحدات . ففي الحرب الاخيرة اظهر الجيش الجورجي بأنه ليس جيد الاعداد والتدريب.
وسيتوقف على عامل الوقت مدى رفع القدرة القتالية للجيش الجورجي. واذا ما قامت جورجيا بشن هجوم جديد على ابخازيا واوسيتيا الجنوبية في اكتوبر – نوفمبر/ تشرين الاول – تشرين الثاني 2008 فهيهات ان تلاحظ هذه التغييرات . لكنها ستنمو بمرور الزمن. ولا يسعنا سوى ان نأمل في ان تتقوى القوات المسلحة الروسية في هذا الوقت بقدر كاف من اجل الا تجرأ جورجيا او اي احد آخر على اختبار امكانياتها في معركة فعلية.