المضاربون الأمريكيون في زمن الحرب
هل يعقل أن تكون جميع رهانات المضاربين الأمريكيين صحيحة في كل الأوقات، أم أنهم يعلمون بالإعلانات السياسية والحربية مسبقاً؟ نسرين مالك – The Guardian
تشهد الأسواق أحداثًا غريبة؛ ففي يوم الاثنين الماضي، وقبل ربع ساعة من إعلان دونالد ترامب عن "محادثات مثمرة" مع إيران، راهن تجار النفط بنصف مليار دولار على أسعار النفط المستقبلية. وقد أدى تصريح ترامب إلى انخفاض أسعار النفط الخام، ويبدو أن بعض المستثمرين كانوا على علمٍ مسبق بهذا الإعلان، فقاموا بالمراهنة لتحقيق مكاسب.
لا نعلم إن كانت هذه الصفقات قد تمت بناء على معلومات مسبقة عن التطورات السياسية، لكنها مصادفة غريبة للغاية. وقد وصف محلل نفطي الأمر برمته بأنه "غير طبيعي بالتأكيد"، وذلك في تصريح لبي بي سي.
وإذا كانت هذه الصفقات، التي تمت بتوقيت مريب، قد تمت بالفعل بناء على معلومات داخلية، فإنها لن تكون سوى جزء من عملية مراهنات واسعة النطاق تُحوّل النتائج السياسية إلى فرص لتحقيق مكاسب غير متوقعة. ولنأخذ على سبيل المثال موقع "بولي ماركت"، وهو سوق تنبؤات إلكتروني انطلق في أوائل العقد الثاني من القرن 21، ويتيح لك المراهنة على أي شيء، بدءاً من نتيجة مباراة السوبر بول، وصولاً إلى احتمالية غزو ترامب لدولة أخرى.
لقد تنبأت عدة حسابات جديدة، قبل الهجوم الأمريكي على إيران، على المنصة بتوقيت الضربات الأمريكية الإسرائيلية قبل 24 ساعة فقط من وقوعها. وتكرر النمط نفسه بعد الانقلاب الأمريكي في فنزويلا في يناير. وقد حقق حساب واحد، أُنشئ قبل أيام قليلة من العملية العسكرية، أرباحًا تجاوزت 400 ألف دولار.
ونتيجة لهذه المعاملات، يتساءل الناس، بطبيعة الحال، عما إذا كان من الممكن أن يكون رئيس الولايات المتحدة أو معاونوه يتربحون بشكل غير قانوني من السلطة السياسية، مع إدراكهم في الوقت نفسه لصعوبة الإجابة على هذا السؤال، لا سيما أن البيت الأبيض ينفي تورط عائلة ترامب في أي تضارب مصالح.
تزداد شعبية أسواق المراهنات تحديدًا لانخفاض عوائق الدخول إليها وصعوبة تتبعها. وتجرى المراهنات باستخدام العملات المشفرة مثل البيتكوين، ما يقلل من آثارها المصرفية التقليدية القابلة للتتبع والقيود المفروضة عليها. كما أن هذه المنصات لامركزية، ومتاحة للمستخدمين حول العالم، ويصعب تنظيمها وإغلاقها دوليًا من قبل جهة قضائية واحدة.
ولطالما ابتكرت الأسواق المالية أدوات مضاربة وتداولتها بناء على توقعات تحركات أسعار الأصول، لكن أسواق المراهنات تحوّل المستقبل نفسه إلى أصل يُمكن المراهنة عليه استنادًا إلى عدد لا حصر له تقريبًا من السيناريوهات، بما في ذلك كيفية اعتراض الصواريخ.
ليس من المستبعد بأي حال من الأحوال التكهن بأن بعض تلك الرهانات قد صدرت مباشرة من إدارة ترامب؛ حيث أطلقت عائلته عدة مشاريع في مجال العملات المشفرة، منذ توليه منصبه. وقد كشف تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق من هذا العام أن ترامب جنى ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار في السنة الأولى من ولايته الثانية.
وهذا لا يعني أن ترامب يُسرّب المعلومات عمدًا؛ فثمة احتمالات أخرى؛ بسبب أنه شخص مُشتّت الذهن ومحاط بحاشية كبيرة من المتملقين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات. وليس من المستبعد أن يتسكع الناس حوله ويلتقطوا المعلومات التي يُسرّبها، ثم يتصرفون بناء عليها وينقلونها.
لكن ثمة تحول ثقافي، أوسع نطاقًا، يترسخ في البيت الأبيض وينتشر عبر منصات المراهنات. وهو تحول قائم على استغلال كل ما هو ممكن لتحقيق الربح، بدءًا من الرئاسة وصولًا إلى التواجد الإلكتروني وتحويل الجمهور إلى زبائن. وهناك وعد بأن أي شخص قادر على تحقيق النجاح نفسه الذي حققه المستغلون في السلطة، والذي جاء بفضل صفقات ذكية ومبتكرة. ويروّج المؤثرون على منصات الاستثمار بأن الفائزين في المجتمع يمتلكون وصفة سحرية
يكمن وراء الإقبال على هذه المخططات أمر طويل الأمد يتمثل في تضاؤل فرص العيش الكريم بوظيفة روتينية تضمن الحصول على قرض عقاري وبعض المدخرات واستقرار وظيفي وتقاعد كريم. ومع هذا برزت النظرة الدونية للعمل لدى الآخرين وتمجيد العمل الحر والتميز عن الوظائف المكتبية الروتينية. ويمكن إيجاز الحكمة الشعبية الدارجة كالتالي: استثمر أموالك بحكمة وابدأ مشروعًا جانبيًا بسيطًا في أسواق المراهنات واحصل على دخل سلبي، حتى رئيس الولايات المتحدة لديه واحد!
لكن السياسة الأمريكية لطالما اتسمت بتساهل مُحير في تنظيم المصالح المالية لمن هم في السلطة، حيث يُسمح لأعضاء الكونغرس بشراء وبيع الأسهم الفردية، مع اطلاعهم على جميع أنواع المناقشات واللوائح المتعلقة بالشركات المدرجة في البورصة. فعلى سبيل المثال جمعت نانسي بيلوسي ثروة طائلة خلال فترة ولايتها، لدرجة أن "متتبع بيلوسي" يسمح للآخرين بمتابعة صفقاتها وتقليدها لتحقيق مكاسب هائلة.
ولا يقتصر الحق في جني المال على المنصب فحسب، فقد استغل كل من هيلاري وبيل كلينتون عقودًا من الخدمة العامة ليُصبحا مصدرًا رئيسيًا للدخل، حيث جنيا مئات الملايين من الدولارات من الخطابات والاستشارات، وجمعا ثروة تفوق حاجتهما.
هناك بعض الأعراف في السياسة الأمريكية تجيز بعض الإثراء من المنصب السياسي، ولكن أن يتحول البيت الأبيض إلى مشروع خاص بهذه الجرأة فهذه مخالفة لهذه الأعراف.
المصدر: The Guardian
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات